أبي طالب المكي
220
قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد
هذا الحديث أيضا تخصيص للإيمان على الإسلام لا تفرقة بينهما ، بمعنى قوله في وصف الرجل أو مسلم . وقال النبي صلى الله عليه وسلم في وصف الرجل : أو مسلم . فدلّ على بطلان ما ناوله القائل لأن هذه اللفظة بألف الاستفهام لا تستعمل في عرف الكلام إلَّا في الوصف الأنقص والحال الأدنى فافهم . وأما قوله تعالى : * ( قالَتِ الأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا ولكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا ) * [ الحجرات : 14 ] . فإن هذا أيضا من هذا النوع معناه : قولوا : استسلمنا حذر القتل ، وهؤلاء ضعفاء المؤلفة وأراذلهم كانوا ينقمون على رسول الله صلى الله عليه وسلم إيثاره وتقديمه المؤمنين بالعطاء عليهم ، وإرجاءه إياهم فقالوا : لم لا يعطينا كما يعطي المؤمنين ؟ فإنّا مؤمنون كهم . فأخبر الله تعالى بذلك عنهم وأكذبهم في دعواهم وهم الذين قصّ الله تعالى أخبارهم في قوله تعالى : * ( ومِنْهُمْ من يَلْمِزُكَ في الصَّدَقاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْها رَضُوا وإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْها إِذا هُمْ يَسْخَطُونَ ) * [ التوبة : 58 ] . ففي هذه الآية دليل على أنّ النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يعطي هذا الضرب من المؤلفة . وليس في الآية تفرقة بين الإيمان والإسلام بدليل قوله تعالى في الآية التي بعدها : * ( يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ الله يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلإِيمانِ ) * [ الحجرات : 17 ] . فسمّى إسلامهم إيمانا لأنه عطف ببعض الكلام على بعض ، وردّ أوله إلى آخره ، وإنما أسقط المنة به على رسوله ، وأثبت المنّ عليهم بنفسه ، وعطف بآخر الاسم على أوله ، وغاير بين اللفظين . فلم يرد أحدهما على الآخر . فيقول : أن هداكم للإسلام لاتساع لسان العرب وليفيدنا فضل بيان ، وإنّ الإسلام والإيمان اسمان بمعنى واحد . كما قال تعالى : * ( هَلْ من خالِقٍ غَيْرُ الله يَرْزُقُكُمْ ) * [ فاطر : 3 ] . ولم يقل : يخلقكم . ليبيّن أنّ الرزاق هو الخالق وليفيد وصفا ثانيا وصف به نفسه تعالى فهو كقوله تعالى : * ( فَأَخْرَجْنا من كانَ فِيها من الْمُؤْمِنِينَ فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ من الْمُسْلِمِينَ ) * [ الذاريات : 35 - 36 ] ، وهكذا قراءتها في مصحف ابن مسعود قال : سبحانك تبت إليك ، وأنا أول المسلمين . فلو لا أنهما بمعنى لم يجز أن يقرأ بخلاف المعنى . فأما ما روي عن أبي جعفر بن عليّ : الإيمان مقصور في الإسلام ، فمعناه هو باطنه . قال : وأدار دائرة كبيرة فقال : هذا الإسلام ، ثم أدار في وسطها دارة صغيرة فقال : وهذا الإيمان في الإسلام . فإذا فعل وفعل خرج من الإيمان وصار في الإسلام ، يريد أنه خرج من حقيقة الإيمان وكماله ولم يكن من الموصوفين الممدوحين بالخوف والورع من المؤمنين ، لأنه خرج من الاسم والمعنى حتى لا يكون مؤمنا بالله مصدقا برسله وكتبه . ألا ترى إلى الدارة الصغيرة غير خارجة من الدارة الكبيرة التي أدارها حولها فجعلها فيها وضرب